وثيقـة السبيـل المقدسـيّة

 

 

مبــادئ الســلام العــادل

فـي

فـلـســـطـيـن / إســـرائيل

 

يجب الالتزام بمبادئ العدالة في جميع الظروف لأنه لن يدوم حل دون توفّر العدل والأمن لكلّ من الطرفين حتى يكون السلام سلاماً حقيقياً.

إننا نقف في مركز السبيل إلى جانب العدل، ولا مجال لدينا لأي موقف آخر لأن العدل وحده هو الضمان الرئيس للسلام الذي يؤدي بدوره إلى المصالحة والحياة الآمنة لكافة شعوب هذه البلاد.  فإذا وقفنا إلى جانب الحق فإننا نفتح المجال لصنع السلام وهذا بالتالي يجعلنا أبناء الله.

 

"طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون"

(إنجيل متى 9:5)

 


وثيقة السبيل المقدسيّة

مبادئ السلام العادل في فلسطين/إسرائيل

 

"اطلبوا السـلام وجدّوا في أثره"  (1 بطرس 11:3)

 

 

انطلاقا من إيماننا وسعيا للسلام  قام مركز السبيل المسكوني للاهوت التحرر في القدس بصياغة عدد من المبادئ التي نرى فيها كفلسطينيين مسيحيين أسسا لتحقيق العدل والأمن والسلام بشكل دائم.

 

 

الأسس اللاهوتية

يعلمنا إيماننا أن:

 1.          الله الخالـق والمُخلّص يُحب كافـة النـاس بالتساوي ( إنجيل

      يوحنـا 16:3،  أعمال الرسل24:17-28).

 2.    إحقاق العدل هو مطلب إلهي إذ لا يمكن التوصل إلى سلام دائم وآمن مع مصالحة حقيقية دون أن   يرتكز هذا السلام على العدل الذي لا تزول مطالبه، ولذا فلا بد من استمرار النضال من أجل تحقيق العدل بأساليب اللاعنف. (النبي إرميا 9: 23-24، النبي أشعياء 32: 16-17، رسالة بولس الرسول إلى روما 12: 17-21).

 3.    الأرض المقدسة هي هبة الله للفلسطينيين والإسرائيليين، فعليهم أن يكونوا وكلاء عليها وأن يعيشوا فيها بعدالة ورحمة (النبي ميخا 6: 8).

 4.    "أحبب قريبك كنفسك"، هو مبدأ إنجيلي شامل يجب السعي إلى تحقيقه (إنجيل مرقس 12: 13). أما القاعدة الذهبية الإنجيلية "عاملوا الآخرين مثلما تريدون أن يعاملوكم" فهي مُلزمة لنا أيضا (إنجيل متى 12:7).

 5.      الأمانة لله تلزمنا بالعمل من أجل العدل والسلام والتسامح والتئام الجراح (إنجيل متى 5: 9، 43-45).

 

 

الأسس الأخلاقية

 

1.    إننا ندرك المعاناة والظلم الذي أوقعه الغرب ضد اليهود،  خاصة أثناء المحرقة النازية، لكن هذا لا يبرر الظلم الذي يتم ارتكابه من قبل إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.  فالعدل الذي يتحقّق لشعب على حساب شعب آخر لا يجوز أن يُعتبر عدلاً.

2.   بما أن إسرائيل قد شرّدت الشعب الفلسطيني من أرضه بالقوة وقامت بتدمير مُدنه وقراه وحرمته من أبسط حقوق الإنسان، وسيطرت عليه وقمعته بشكل غير قانوني، فإنها ملزَمة أخلاقيا بأن تعترف وتتحمل مسؤولية الظلم الذي حل بالفلسطينيين.

3.    بما أن إسرائيل أقامت دولتها بعد عام 1948 على 77% من أراضي فلسطين، أي بنسبة 20% اكثر مما كانت قد خصصته لها الأمم المتحدة في مشروع التقسيم (قرار 181) لعام 1947، فإنها ملزَمة أخلاقيا بإعادة الأراضي التي استولت عليها عام 1967 (قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس) للفلسطينيين، من أجل إقامة دولتهم المستقلّة والسيادة الكاملة عليها.

4.  "قانون العودة" الإسرائيلي الذي يسمح لأي يهودي بالهجرة إلى دولة إسرائيل ويحرم الفلسطينيين من حق العودة إلى وطنهم هو قانون غير أخلاقي ومجحف.

5.  إن المشاركة في السيادة على القدس ركيزة أساسية لمبدأ السلام العادل.

6.  تُعتبر الإيديولوجية العسكرية وتكديس أسلحة الدمار الشامل منهجاً عدائياً غير مقبول أخلاقياً ومبدئياً لأنه يهدد إمكانية تحقيق السلام وتوفير الأمن.

 


الأسس القانونية: الشرعية الدولية

 

 فيما يلي عدد من المبادئ التي أقرّهـا المجتمـع الدولـي بشـكل مستمر:

 1.           للاجئين الفلسطينيين الحق في العودة (قرار رقم 194 الصادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة).

 2.     قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية هي أراض محتلة يجب أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية (بحسب قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 وبالاعتماد على مبدأ الشرعية الدولية الذي لا يسمح بالاستيلاء على الأراضي بالقوة).

 3.    المستوطنات في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية غير شرعية.  كما أن قيام سلطات الاحتلال بنقل مواطنيها إلى الأراضي المحتلة أو تغيير وضعها أمر غير شرعي أيضاً وذلك بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

 4.    القـدس الشرقية هي أراض محتلة، والإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب لتغيير وضع القدس هي إجراءات غير قانونية وباطلة وذلك بموجب قراري مجلس الأمن رقم 252 و478.

 5. إن انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها سياسة هدم البيوت ومصادرة الأراضي والتعذيب وإلغاء حقوق الإقامة وفرض القيود على التنقل وسياسة الإغلاق واستعمال القوة ولا سيما المفرطة كالقصف الصاروخي والمدفعي والتصفية الجسدية والحصار الاقتصادي والسيطرة على المصادر الطبيعية، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وإهانة لكرامته كما أنها تتناقض مع القانون الدولي، وإعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان.

 

المبادئ التي يعتمدها مركز السبيل

 

يحتاج الشعبان - الفلسطيني والإسرائيلي أن يتمتعا بحقهما بسلام آمن ودائم. وعندئذٍ تتوفر الأجواء المناسبة لقبول الواحد للآخر ولإنشاء علاقات متبادلة بينهما.  إن دعم السلام الذي لا يعتمد على القانون الدولي ويتجاهل مبدأ العدالة ليس من مصلحة أي طرف من الأطراف، إذ ان مثل هذا السلام لا يمكن أن يدوم وسوف يؤدي إلى الشعور بالمرارة واستمرار العنف.

لذا تعتمد المبادئ التالية على الشرعية الدولية، والمجتمع الدولي مسؤول عن تحقيقها وتوفير الضمانات الدولية لها كي يتمكن شعبا فلسطين وإسرائيل من العيش بسلام عادل وآمن وهذه المبادئ هي:

1.  على إسرائيل أن تعترف أنها قد ألحقت الظلم بالشعب الفلسطيني وعليها أن تتحمل مسؤولية ذلك.  وهذا يعني أنه يجب عليها تقديم التعويضات لكل الفلسطينيين الذين عانوا نتيجة للصراع منذ عام 1948، سواء أكانوا مواطنين في إسرائيل أو في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية أو الشتات.  إن التئام الجراح لن يتم إلا عن طريق التوبة وطلب المغفرة وإصلاح الخطأ ورد الظلم.

2.  يجب أن يكون للفلسطينيين دولة ديمقراطية مستقلّة ذات سيادة في كافة أراضي قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.  وبناء عليه يجب انسحاب إسرائيل إلى حدود 4 حزيران 1967.  ولا يكون الحل مقبولا إذا لم يضمن للفلسطينيين، كما هو في الواقع للإسرائيليين، حق تقرير المصير والاستقلال والسيادة.

3.  يجب أن تشترك دولة فلسطين ودولة إسرائيل في السيادة على القدس مع بقاء المدينة مفتوحة للجميع.  فتصبح القدس الشرقية عاصمة لفلسطين والقدس الغربية عاصمة لإسرائيل.  وفي حالة التوصل إلى أي اتفاق يجب المحافظة على حرمة الأماكن المقدسة وضمان حقوق الأديان الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية.  ويجب إلغاء كافة الخطوات غير القانونية التي اتخذتها إسرائيل من طرف واحد داخل أسوار البلدة القديمة كمصادرة الأراضي أو التوسع منذ عام 1967.

4.  يجب ضمان حق اللاجئين في العودة على أساس قرارات الشرعية الدولية، ويجب تعويضهم بشكل كامل.

5.  يعتبر القانون الدولي جميع المستوطنات اليهودية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية غير قانونية لذلك يجب اعتبار هذه المستوطنات التي بنيت على التراب الفلسطيني منذ عام 1967 جزءا من الدولة الفلسطينية.

6.  يجب، بعد تطبيق مبادئ العدالة، أن يتم التوصل إلى اتفاقية سلام بين دولة فلسطين ودولة إسرائيل تضمن السيادة والحدود المعترف بها لكل منهما وحقوق المياه والمصادر الأخرى.

7.  يجب على الدولتين ضمان احترام وحماية حقوق الإنسان لكافة المواطنين بما في ذلك الحرية الدينية بموجب المواثيق الدولية.

 

الخلفية السياسية

 

قامت الحركة الصهيونية عام 1948 بارتكاب ظلم كبير ضد الشعب الفلسطيني وكانت هذه بداية دولة إسرائيل.  واستحوذ اليهود الصهيونيون بالقوة على 77% من أراضي فلسطين وقاموا بتهجير 750.000 فلسطيني، وتم إعلان دولة إسرائيل كدولة يهودية.  منذ ذلك الوقت أقام معظم الفلسطينيين الذين لجأوا من ديارهم إلى بلاد أخرى في مخيمات وجُرِّدوا من حقوقهم الوطنية.  وبالرغم من قرار الأمم المتحدة رقم 194 في كانون الأول 1949، والذي تقوم الأمم المتحدة بتأكيده كل عام، رفضت إسرائيل بشكل قاطع حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم.  أما الفلسطينيون الذين ظلّوا تحت سيادة ما اصبح دولة إسرائيل، وعددهم في ذلك الوقت150.000 نسمة،  فقد تم منحهم المواطنة الإسرائيلية ولكن لا يزال التمييز ضدهم مستمراً وتتمّ معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

في عام 1967، قامت دولة إسرائيل بالاستيلاء بالقوة على ما تبقّى من أراضي فلسطين (23%)، مما أدى إلى نزوح 325.000 فلسطيني، وهكذا وقع السكان الذين يعيشون في قطاع غزة وفي الضفة الغربية تحت الحكم العسكري الإسرائيلي.  وكان هذا الاحتلال قمعيا وقاسيا ومجرّدا من الإنسانية.  وبعد ذلك تمّت مصادرة أراضي الفلسطينيين بشكل منهجي، وانتهكت حقوقهم، وأهينت كرامتهم كما ورد في عدد من التقارير لمنظمات حقوق الإنسان الدولية والإسرائيلية والفلسطينية، مثل منظمة العفو الدولية، و"بتسيلم"، ومؤسستي القانون والحق.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد سيطرت إسرائيل على الموارد المائية في فلسطين، فهي تمنع الفلسطينيين من الحصول على كميات كافية من المياه وتجعلهم يدفعون ثمنا باهظا للحصول عليها، وبدأت ببناء مستوطنات خاصة لليهود على أراضي الفلسطينيين، ومن خلال المئات من القوانين العسكرية أمعنت في قمع الشعب الفلسطيني.  أما بالنسبة للقدس الشرقية، فقد قامت بضمها إليها، وقامت بعزلها عن بقية الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1993، ومنعت الفلسطينيين من الوصول إليها.  ونتيجة لذلك فقد تمت إعاقة وصول الناس إلى الكنائس والمساجد في القدس.  وهي تعمل في إطار سياسة لا تسمح بزيادة عدد الفلسطينيين في القدس عن 27% من مجموع السكان، وذلك من خلال هدم البيوت ومصادرة الأراضي وإلغاء حق الاقامة للفلسطينيين وباستعمال أساليب أخرى متنوعة.

وعند نهاية حرب الخليج في عام 1991، بدأت عملية السلام برعاية الولايات المتحدة وروسيا.  وعلى الرغم من البداية الواعدة في مؤتمر مدريد للسلام، الذي عقد في إطار الشرعية الدولية، إلا أن هذه العملية تحولت ضمن إطار أوسلو إلى آلية لاستمرار الظلم.  ومع تطور العملية، قامت إسرائيل بإعادة أجزاء معينة من الأراضي المحتلة إلى السلطة الفلسطينية.  في نهاية شهر آذار من عام 2000، كان ما يعادل 18.2% فقط من أراضي الضفة الغربية تحت السيادة الفلسطينية الكاملة، و24.7% تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية والسيطرة المدنية الفلسطينية، وما تبقى من الضفة الغربية، أي 57.1%، ما يزال تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، علما بأنه لا يوجد اتصال جغرافي بين الأراضي التي تمت إعادتها للفلسطينيين.

كذلك يقوم الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على الطرق الرئيسة في الأرض المحتلة، بالإضافة إلى سيطرته على كل ما تحت الأرض وما في الجو.  ولا بد من التنويه هنا أن 60% من الأراضي في قطاع غزة، تقع تحت السيطرة الفلسطينية، علما بأنه يعيش هناك اكثر من مليون فلسطيني، بينما يعيش حوالي 6.100 مستوطن يهودي في أراض تسيطر عليها إسرائيل ونسبتها 40% من مساحة القطاع.  إضافة إلى ذلك، فان بعض المستوطنات الـ 194 (166 مستوطنه في الضفة الغربية وقطاع غزة و28 في القدس الشرقية) وهي كلها غير قانونية حسب القانون الدولي، تستمر في التوسع إلى حجم يشبه حجم المدن.  وتشير التقديرات إلى أن عدد المستوطنين، ويشمل ذلك من يعيشون في المستوطنات التي تحاصر القدس، يبلغ أكثر من 400.000 مستوطن.

في صيف 1999 دعا الرئيس الأميركي بيل كلنتون قيادة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى اجتماعات مكثفة في كامب ديفد للتفاوض حول الحلّ النهائي للنزاع بما في ذلك معالجة أصعب القضايا التي تعترض التوصل إلى اتفاق سلام ألا وهي مدينة القدس واللاجئين والمستوطنات والمياه والحدود.

لقد دامت قمة كامب ديفد أسبوعين متواصلين وفي نهاية المطاف سمعنا من وسائل الإعلام أنه بالرغم من تقارب وجهات النظر حول معظم القضايا إلا أن المفاوضات فشلت لعدم الاتفاق حول موضوع السيادة على الحرم القدسي الشريف.  وهكذا بقيت المفاوضات معلّقة والتكهنات السياسية كثيرة في الشارع الفلسطيني والإسرائيلي إلى أن تفجّر الوضع على أثر اقتحام ارئيل شارون رئيس حزب الليكود اليميني باحة الحرم الشريف يوم الخميس 28/9/2000 على رأس فرقة كبيرة من الجنود.  وقد اعتبر الفلسطينيون هذه الزيارة الاستفزازية بمثابة تهديد صارخ لملكية المسلمين للحرم وأدى ذلك إلى اندلاع انتفاضة الأقصى التي عمت جميع الأراضي الفلسطينية  المحتلة كما شملت العرب الفلسطينيين المواطنين في دولة إسرائيل.  وحتى نهاية عام 2000 راح ضحيتها ما يزيد عن 300 قتيل وعشرة آلاف جريح وكان نداؤها الصارخ هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. 

وعندما اقترب موعد انتهاء رئاسة بيل كلنتون للولايات المتحدة كُثِّفت الجهود الأمريكية لإيجاد حلّ للنزاع ولكن دون جدوى.  وعلى أثر ذلك خاضت إسرائيل انتخابات عامة لرئاسة حكومتها وسقط ايهود باراك وانتخب ارئيل شارون بشكل ساحق. وبالرغم من محاولة شارون الجادة لسحق الانتفاضة الفلسطينية إلا أن الأوضاع السياسية والأمنية ازدادت سوءاً وتدهوراً وإمكانيات السلام بدت في تقهقر مستمر. وهكذا نشعر أننا نقف على مفترق طرق هام وتاريخي. ونحن في مركز السبيل، وانطلاقا من مسؤوليتنا المسيحية، نرى انه من الضروري أن نوضح موقفنا، وذلك بهدف التوصل إلى سلام دائم يحقق العدالة للفلسطينيين والأمن لكافة شعوب المنطقة.  إننا واثقون أن السلام غير العادل سيكون مؤقتا وسيقود المنطقة إلى المزيد من العنف وإراقة الدماء.  لا يمكننا أن نبقى صامتين، علينا أن نرفع أصواتنا بشكل نبويّ لردّ الظلم.  وفيما يلي عدد من النقاط التي تشكل السيناريوهات المحتملة، وسنقدمها بوضوح مع عواقبها المتوقعة:


 
الهَمُّ الأكـبر: دولـة بنتوستانـات

 

إذا نظرنا بشكل دقيق إلى قطاع غزة والضفة الغربية، نرى بوضوح أن إسرائيل تهدف إلى إبقاء سيطرتها على الضفة الغربية بما فيها القدس.  إن مصادرة أراضي الفلسطينيين وبناء وتوسيع المستوطنات لم يتوقف، بينما تستمر إسرائيل في إصرارها على بقاء المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية.  وإذا تمّ ذلك، فان إسرائيل سوف تستمر في وجودها العسكري في الضفة الغربية بينما تسمح للسلطة الفلسطينية بممارسة حكم ذاتي على السكان.  أما الأراضي التي ستبقى تحت الوصاية الإسرائيلية، فلن تكون فيها أية سيادة حقيقية.  ما نراه في هذا الأمر إذاً، هو دولة على طريقة البنتوستانات، وحكمٌ ذاتيٌ محدودٌ شبيهٌ بما كان عليه الحكم العنصري في جنوب أفريقيا والذي تمّ اقتراحه على المواطنين السود.  تشير الدلائل إلى أن هذه هي الصورة التي تتشكل على أرض الواقع.

وإذا ما تعرضت إسرائيل للضغوط، فإنها سوف تتنازل عن قطاع غزة، حيث يوجد لها 6.100 مستوطن يسيطرون على 40% تقريبا من الأراضي وعلى ثلث المصادر المائية.  وقد تنسحب إسرائيل كليا من قطاع غزة الذي يعاني الآن من ضرر كبير في مياهه الجوفية كما يعاني من نقص في المياه الصالحة للشرب، وقد تسمح للفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة هناك.  وهذا من وجهة نظر إسرائيل لن يشكل أي تهديد جدي على أمنها.  أما في الضفة الغربية فسيكون للفلسطينيين حكم ذاتي ووطن على شكل دولة خالية من معاني السيادة.

إن مثل هذا الحل يشكل سيناريو غير عادل وسوف يؤدي إلى زيادة الصراع الدمويّ.  يعلمنا التاريخ أن الشعوب المقهورة لا تتخلّى عن النضال من اجل الحرية والاستقلال.  في ظل هذا السيناريو، لن يتحقق الأمن لإسرائيل لان السلام المفروض فرضا سيكون غير عادل ولا يمكن له أن يدوم.  إن مركز السبيل يرفض رفضا قاطعا مثل هذه المعادلة للسلام أو أية صيغة أخرى منبثقة عنها، ويحذر من أن فرض الحلول سيؤدي إلى نتائج مأساوية للشعبين.

 


 

الأمـل الحقيقـي:

 دولتان مستقلتان ضمن نظام ديموقراطي

 

يتمحور هذا السيناريو حول الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كافة الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية، تمشيا مع قراري الأمم المتحدة رقم 242 و338، بحيث يقيم الشعب الفلسطيني دولته "ذات السيادة" على 23% من أراضي فلسطين.  ويمكن معالجة موضوع المستوطنات بتحويلها إلى مدن لاستيعاب بعض اللاجئين الفلسطينيين العائدين، مما يشكل جزءا من التعويض الذي ستقدمه إسرائيل للشعب الفلسطيني.  وعلى إسرائيل أن تقدم تعويضات لأصحاب الأراضي التي تمت مصادرتها.  أما المستوطنون اليهود الذين يرغبون في البقاء في فلسطين، فمن الممكن أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين يعيشون تحت السيادة الفلسطينية.

أما بالنسبة لمدينة القدس فلا بد من اشتراك الطرفين فيها بحيث تبقى المدينة مفتوحة للجميع بعد أن يتم التوصل إلى اتفاقية سلام، وستكون الدولتان معتمدتين على بعضهما اقتصاديا، وستتعاونان لتطوير الموارد المتاحة لهما بهدف توفير الرفاهية للشعبين.  هذه هي المعادلة التي يسعى لها الفلسطينيون ويأملون في التوصل إليها.  حقا، إن هذا ليس بالحل المثالي لكنه يحمل في طياته العدالة المقبولة التي من الممكن أن يتعايش معها معظم أبناء الشعب الفلسطيني علاوة على أن هذا السيناريو ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة الصادرة منذ عام 1967، ويدعمه المجتمع الدولي.

هذه الصيغة تعطي للفلسطينيين دولة ذات سيادة على قدم المساواة مع إسرائيل، وتحررهم من الاحتلال، وتعيد لهم كافة الأراضي التي احتلت عام 1967.  ويجب أن ننوّه هنا إلى أن إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، على 23% فقط من أراضي فلسطين بدل الـ 43% التي كانت قد أقرتها الامم المتحدة عام 1947، تنازل كبير من طرف الفلسطينيين الذين تخلّوا عن مطالبتهم بحقوقهم في معظم أراضي فلسطين التاريخية.  وهنا يبدو واضحاً أن على إسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي أن يقدموا التعويضات للشعب الفلسطيني ودعم أبسط حقوقه بقيام دولته المستقلة.


 
رؤيـا مستقبليـة

 

نرى في الوقت الراهن ضرورة إقامة دولتين: فلسطين وإسرائيل، تتمتّع كل منهما بالسيادة الكاملة.  لكننا نرجو أن تتحد هاتان الدولتان في المستقبل في اتحاد كونفدرالي أو فيدرالي، ربما مع دول أخرى مجاورة بينما تكون القدس العاصمة الفيدرالية.  ولكننا نرى أن افضل الحلول هو دولة ثنائية القومية في فلسطين-إسرائيل يتمتع فيها الجميع بالحرية والمساواة، ضمن إطار نظام ديمقراطي دستوري يحمي ويضمن حقوق الجميع والتزاماتهم ومسؤولياتهم دون عنصرية أو تمييز. دولة واحدة لشعبين يعتنقان ثلاثة أديان.

 

الوقوف مع العدل

 

يجب الدفاع عن مبدأ العدالة في كل منعطف.  وإذا لم يتم إحقاق العدل، وبالتالي الأمن، فإنه من الواجب علينا أن نرفض الحلول المقترحة لأنها لن تدوم.  ومن الضروري أن يشمل الحل العادل قدرا متساويا من العدل والأمن للطرفين، وذلك حتى يكون السلام سلاما ناجعا، وإلا فلن يؤدي إلى السلام الدائم.  هذا هو المبدأ الأساسي الذي يجب الحفاظ عليه واستعماله كمقياس لكل النقاط التي سبق ذكرها.

يَبني مركز السبيل موقفه على الأسس المذكورة أعلاه.  نعم، سنقف دائما إلى جانب العدل ولا يسعنا أن نقوم بغير ذلك، لان العدل وحده يضمن السلام الذي يؤدي إلى المصالحة والحياة الآمنة والرخاء لكل شعوب هذه البلاد.  عندما نقف إلى جانب العدل، نفتح المجال لصنع السلام، والعمل من اجل السلام يجعلنا أبناء الله.

 

"طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون"

(إنجيل متى 9:5)

 

 


 

شهادة فلسطينية مسيحية

 

1.    إن المسيحيين في الأرض المقدسة عرب فلسطينيون وهم جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني ويواجهون معه نفس المصير.  هذا الواقع يجعل لهويتهم بُعدين أساسيين لا تناقض بينهما: البُعد القومي الوطني المرتبط ارتباطا عضويا بالشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ارتباطهم بالأرض المقدسة يرجع إلى العصور المسيحية الأولى، والبُعد الديني الروحي المرتبط بإيمانهم المسيحي الذي يعود إلى ألفي سنة في فلسطين حيث ولد السيد المسيح ونشأت الكنيسة المسيحية الأولى.

2.    لقد لعب الفلسطينيون المسيحيون دورا هاما في الحركة الوطنية الفلسطينية مع إخوانهم المسلمين ووقفوا صفا واحدا في مجابهة الحركة الصهيونية وأطماعها  سواء أكان ذلك عن طريق المواقف العلنية والخطابة والكلام والكتابة والنشر أو عن طريق الكفاح والمقاومة والاستشهاد والعمل النضالي اليومي.

3.    يعمل الفلسطينيون المسيحيون على كسر الأنماط المشوّهة عن العرب والمسلمين والمسيحيين الشرقيين وتعريف المسيحيين الغربيين بالقضية الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني ودعوتهم إلى الوقوف بجانب الحق والعدل كما يفرضه عليهم إيمانهم المسيحي.

4.    يؤكد الفلسطينيون المسيحيون على ضرورة وحدة الشعب الفلسطيني ككل حتى يكون واعيا لمجابهة المخططات التي تحاول إسرائيل وحلفاؤها من خلالها تهميش المسيحيين وتفتيت ولائهم واعتبارهم طرفا ثالثا في النزاع وكأنهم غرباء لا تهمهم قضية الوطن وأن جُلّ اهتمامهم مقتصر على المقدسات.

5.    يُقدّر الفلسطينيون المسيحيون وقوف الكثيرين من إخوانهم المسيحيين الغربيين معهم في دعم الحق الفلسطيني وإصدار البيانات ونشر الكتب وتوفير الملايين من الدولارات لخدمة اللاجئين الفلسطينيين والمؤسسات الفلسطينية وإقامة المشاريع التنموية والتطويرية على مختلف أنواعها وتقديمها للمحتاجين بغض النظر عن انتمائهم الديني.

6.    يؤكد الفلسطينيون المسيحيون أنهم أبرياء من أية فئة مسيحية غربية تدعم الصهيونية ودولة إسرائيل بذريعة الكتاب المقدس وتعتبرهم ضالّين لاهوتيا وكتابيا. كما ويدينون الموقف المناهض للحق والعدل الذي يتنافى مع المبادئ المسيحية

7.    يؤكد الفلسطينيون المسيحيون أن آباء الكنيسة قد أعطوا ومنذ العصور المسيحية الأولى، مكانة خاصة لمدينة القدس بصفتها المدينة المقدسة التي تمت فيها عملية الفداء بآلام وموت السيد المسيح، وفي قيامته من بين الأموات وصعوده إلى السماء وفي نشأة الكنيسة في القدس بقوة الروح القدس. فالقدس إذا هي العاصمة الوجدانية والروحية للمسيحيين.  وقد أصبحت مدينة مسيحية على بكرة أبيها مع نهاية القرن الرابع.

8.    يؤكد الفلسطينيون المسيحيون أن القدس مدينة مقدسة للمسيحيين والمسلمين واليهود  ولا يجوز انتقاص هذه القدسية عن أي من هذه الديانات  أبدا  ولا السماح لأي منها بالاستئثار بها. ويجب احترام وحماية الأماكن المقدسة للديانات الثلاث وحفظ الحق لكل إنسان في مزاولة شعائره الدينية من عبادة وصلاة.

9.    يؤكد المسيحيون أن مدينة القدس هي قلب الصراع السياسي، وأنه لا نهاية للصراع دون حلّ سياسي عادل لهذه المدينة.  لذلك يجب إنهاء احتلال القدس وعودتها تحت السيادة الفلسطينية حتى يتحقق السلام المبني على العدل.

10.  يؤكد المسيحيون على أهمية تحقيق المساواة في الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية لجميع المواطنين ومقاومة أية عنصرية أو تفرقة أو تعصب حتى يسود حكم القانون على الجميع بالتساوي ويتمتع الإنسان فيها بكامل حقوقه.